الجمعة، 10 ديسمبر 2010

قراءة في برنامج التاريخ للسنة "أولى ثانوي"

حول برنامج تدريس مادة التاريخ

للسنة الأولى ثانوي

قرطـــاج :

يبدأ الكتاب بقسم أول تحت عنوان قرطاج , وكان من المنتظر عند الحديث عن تاريخ قرطاج أن يتطرق للفينيقيين بناة قرطاج والذين قدموا من الشام وأصولهم من الجزيرة العربية من نفس أصول الكنعانيين والعموريين .

فالفينيقيون الذين انطلقوا من السواحل اللبنانية ( صور وصيدا ) بنوا حضارة على السواحل الجنوبية للبحر المتوسط وفي شماله أيضا فوصلوا إلى الأندلس شمالا وإلى السواحل الغربية والجنوبية للقارة الإفريقية , وقد بنى الفينيقيون العديد من الموانئ والمدن على الساحل التونسي

( كركوان , أوتيك ...) وأقام الفينيقيون دولة في قرطاج كانت عاصمة لهم تشرف على كل الممتلكات الفينيقية على امتداد الوطن العربي وشمال المتوسط ونافست روما في السيطرة على البحر المتوسط فحاولت هذه الأخيرة ضرب ممتلكات قرطاج والقضاء عليها . و الفينيقيون عندما قدموا إلى السواحل الجنوبية للمتوسط دخلوا في علاقات مع سكانها الأصليين كالأمازيغ في المغرب العربي ـ والأمازيغ عرب جاؤوا من الجزيرة العربية ـ الذين اندمجوا مع الفينيقيين

وواجهوا روما معا .

طمس الكتاب ما تم ذكره و بالتالي طمس الهوية العربية الإفريقية لقرطاج وحضارتها ليتحدث عن " حضارة روما " و يستعمل مصطلحاها في الحديث عن قرطاج , فالحضارة الفينيقية

وآثارها يسميها " إفريقية " أو " رومانية " و تحت عنوان قرطاج و إسهاماتها في الحضارة الرومانية و الإزهار العمراني يتحدث قائلا :

" تزخر البلاد التونسية بالمدن الأثرية التي ترجع إلى العهد الروماني وهي شواهد على ما بلغته من ازدهار عمراني " , والخزف الأرجواني و الأواني و الجرار لخزن المواد الفلاحية التي عرف بها الفينيقيين يسميها " افريقية " تارة و "رومانية" تارة أخرى فيقول الكتاب " أسهم الازدهار ألفلاحي

( في العهد الروماني ) في تطور أنشطة خزفية عديدة ... كمطاحن الحبوب و معاصر الزيتون و كذلك صناعة الخزف لنقل المواد الفلاحية و خزنها ...." ( ص 64) . أما الفسيفساء فإنها " نماذج من الروائع الذي شهد ازدهارا ملحوظا خاصة خلال القرن الثاني والثالث الميلادي " ( ص 45) أي في عهد الاحتلال الروماني, ويضيف الكتاب في (ص 54) "فن الفسيفساء...ظهر في العالم الإغريقي منذ القرن الرابع قبل الميلاد ثم انتشر على سواحل البحر المتوسط واقتبسه البونيون ...» والحال أن الفسيفساء فينيقية المنشأ وازدهرت في ظل حضارتهم. ولا يتحدث الكتاب عن روما الغازية التي دخلت قرطاج ودمرتها واحتلتها ويتجاهل المقاومة التي أبداها الفينيقيون والأمازيغ لروما , و إن تحدث الكتاب عن حنبعل القائد الفينيقي الكبير فإنه لا يبرز معركته العظيمة ضد روما ومسيرته إليها عبر جبال الألب فيشير لإحدى المعارك قائلا على لسان قائد روماني : " تلك هي معركة تراسمانوس التي ذكرها المؤرخون من بين الهزائم القليلة التي مني بها الشعب الروماني

وقد خلف الرومان 15 ألف قتيل على ميدان المعركة وقد فر آخرون ..." ( تيتوس ليفوتس , ص 38).ويحاول الكتاب أن يطمس الطابع العدائي بين روما وقرطاج ويحاول مقابل ذلك أن يبرز تعايشا حضاريا مزعوما بينهما . والحصيلة التي يخرج بها القارىء من هذا الفصل أن قرطاج ليست عربية و سكانها ليسوا عربا ولا حضارة لها , وإنها " ساهمت " في حضارة روما , وأن روما ليست استعمارا أو هي استعمارا حضاريا .

وبذلك يطمس الكتاب الفينيقيين كما يتجاهل حضارة بلاد الرافدين وحضارة مصر القديمة و هو بذلك يعتبر الحضارة الأوروبية أول الحضارات.

القيروان:

يقفز الكاتب من قرطاج إلى القيروان ويقفز بذلك فترات تاريخية كاملة , يطمس فيها القيروان كحلقة ضمن سلسلة تبدأ من الجزيرة العربية في فترة ما قبل الإسلام ومع ظهوره وامتداد الفتوحات الإسلامية شرقا وغربا وصولا إلى القيروان كقاعدة للفتوحات غربا حتى المحيط الأطلسي والأندلس. ويقتصر الكتاب في حديثه عن القيروان عن دورها الاقتصادي فهي " أعظم مدينة في المغرب وأكثرها تجارا وأموالا وأحسنها منازلا وأسواقا..." ( ص 93), كما يتحدث عن عمارتها و يصف سورها وفسقيتها وجامعها الأعظم الخ... دون أن يتعرض لكنه العمارة الإسلامية و خاصياتها , ويتحدث عن دور القيروان الفكري فيقتصر على بعض المظاهر " العلمية ..والطبية ..والأدبية.. والترجمة" ( من ص 111 إلى ص 117) ويعزلها عن امتدادها في المشرق فضلا عن عزلها عن أصولها في الإسلام.

و يطمس الكتاب مسيرة المسلمين في فتوحاتهم شرقا وغربا , والمشاق التي اعترضتهم والبطولات التي سطروها والإنجازات التي حققوها والقادة الكبار الذين قادوا هذه الفتوحات كعقبة ابن نافع الذي أسس القيروان وموسى ابن نصير وطارق ابن زياد . فعقبة ابن نافع لا يعدو أن يكون شخصا " وجهه معاوية في جيش عظيم إلى إفريقية غازيا فدخلها وافتتحها وقال لأصحابه.." أن يتخذوا بها مدينة يجعلوها معسكرا وقيروانا .." (ص 87) , أما موسى ابن نصير فتقتصر أعماله على" الخروج إلى الأندلس..." (ص90) ويورد الكتاب خطبة طارق ابن زياد مكتفيا بها في التعريف به كما يتجاهل الكتاب علاقة القيروان بالدولة الأموية ثم بالدولة العباسية ويقفز إلى الدولة الأغلبية لإبراز ما يسميه " استقلالية " والحصيلة التي أراد تكريسها مؤلفو الكتاب أن القيروان مدينة لا هوية عربية إسلامية واضحة لها ولا علاقة لها بالمشرق ولا بالمنابع العربية والإسلامية.

تونس في العصر الحديث :

ينتقل الكتاب من القيروان إلى تونس ويقفز فترات تاريخية إسلامية أخرى خاصة فترة الحروب الصليبية ودخول العثمانيين على تونس وينتقل فورا إلى العصر الحفصي , ويحدث بذلك فراغ كبير في ذهن التلميذ باعتبار أهمية المرحلة وخاصة منها الحروب الصليبية ( مابين الصليبيين والمسلمين) والتي امتدت من المشرق إلى المغرب وشارك فيها المسلمون شرقا وغربا وأدت إلى دحر الصليبيين , وينتقل إلى تونس المعاصرة فإذا بها خليط من الأقوام "حي اليهود ومقبرة النصارى" أي أن الهوية العربية ـ الإسلامية لمدينة عربية إسلامية بناها العرب المسلمون , آثارها وتراثها عربية إسلامية وكذلك سكانها, هذه الهوية يراد طمسها . ثم إن الكتاب حينما يشير إلى ابن خلدون لم يذكر ما ورد في مقدمته من حديث عن الحضارة العربية ـ الإسلامية بكل أبعادها وفي كل مجالات حياة المسلمين وأصولهم ومنابعهم .وبعد كل ذلك ينتقل إلى تونس المعاصرة ليؤكد لنا أن قلة الحضارة سالفة الذكر و"قلة الديمقراطية" تسببت في دخول الاستعمار. فالاستعمار حسب وجهة نظر مؤلفي هذا الكتاب قائم على الإصلاح لذلك يمجدون

" التنظيمات " التي أقرتها الدولة العثمانية بتأثير من الدول الأوروبية والتي فتحت أبواب الدولة العثمانية , " وفي محرم (مارس 1856 ) ورد من الدولة العلية العثمانية فرمان التنظيمات الخيرية المبني على أساس العدل والحرية" (ص156) كما يمجد الكتاب "عهد الأمان" وما يسميه "إصلاح التعليم" بما في ذلك إصلاح التعليم الزيتوني . وقد مهد "عهد الأمان" لدخول الاستعمار بالتسوية بين "مختلف الأجناس والأديان والألسن..." . "تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان أيالتنا على اختلاف الأديان والألسن والألوان" (ص161).. "

" إن الوافدين على أيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع والخدم"(ص162) , في حين حاول إصلاح التعليم المزعوم خلق جيل من المتعلمين على أيدي فرنسا يعينوها قبل دخولها إلى تونس وعند خروجها أيضا . " نحن أصدقاء صرحاء ومخلصين لفرنسا ...إذا كان مفهوم الوطنية ( مناهضة فرنسا ) , فنحن لسنا كذلك" (ص171 )ـ علي باش حانبة : رسالة إلى المقيم العام (في 7 فيفري 1907).

وفي مقابل ذلك طمس الكتاب شيوخ جامع الزيتونة الذين كونوا الحزب الدستوري التونسي وقام أعوان فرنسا بإزاحتهم من الحزب " إن المسلمين بهذا التيار يقدرون ما قامت به دولة الحماية من الإصلاحات النافعة حق قدرها" (البشير صفر ص170 ) ولم يبرز الكتاب معظم الشخصيات الوطنية وتجاهل صالح بن يوسف , كما عزل الكتاب المقاومة الوطنية عن امتدادها العربي في المشرق والمغرب وعن قضية فلسطين المركزية وطمس دور جامع الزيتونة في المستوى العربي والإسلامي كما عزل تونس عن حركة التحرر الوطني في العالم آنذاك "نظرا لأن الحزب دخل في تجربة تعاون صريح مع فرنسا " (ص185).

خلاصة :

ـ يحاول الكتاب استهداف المنابع العربية الإسلامية والتي تخلق عند النشء فراغا في الانتماء وجهلا بالأصول وبالأهداف التي ينبغي الوصول إليها .

ـ عزل المغرب العربي وبالتحديد تونس عن المشرق ماضيا كمهد للحضارة وحاضرا كنقطة صراع رئيسية مع الأعداء والتي ستقرر مصير العرب والمسلمين.

ـ ضرب المحطات الرئيسية لمواجهة الأعداء عبر التاريخ : قديما (صراع قرطاج ـ روما , الكنعانيون مع اليهود...) , ومع ظهور الإسلام والفتوحات التي امتدت شرقا إلى حدود الصين وغربا إلى حدود فرنسا وما نشأ عن ذلك من امتداد جغرافي لأرض المسلمين ثم الحروب الصليبية التي امتدت من أقاصي المشرق إلى أقصى المغرب والتي توحد فيها العرب والمسلمين في مواجهة الصليبيين .

غياب كل هذا يحدث فراغا كبيرا في معرفة المحطات الرئيسية في التاريخ والتي كان لها دور في نحت الشخصية القومية والإسلامية للعرب والتي هي ركائز بناء جيل متشبع بهويته وانتماءه.

عن لائحة السياسة التعليمية لمؤتمر النقابة العامة للتعليم الثانوي المنعقد يومي 11و12 جانفي 2010 بتونس :

نطالب بــ : مراجعة البرامج المعتمدة في المنظومة التربوية بما يكفل تجذير الهوية العربية الإسلامية ويتصدى لمشاريع التطبيع ورد الاعتبار لكل المواد الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة وإيلاء القضايا الجوهرية كالقضية الفلسطينية وتاريخ الحركة النقابية الوطنية في تونس مكانتها في البرامج.

عن لائحة السياسة التعليمية لمؤتمر النقابة العامة للتعليم الثانوي المنعقد يومي 11و12 جانفي 2010 بتونس :

نطالب بــ : مراجعة البرامج المعتمدة في المنظومة التربوية بما يكفل تجذير الهوية العربية الإسلامية ويتصدى لمشاريع التطبيع ورد الاعتبار لكل المواد الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة وإيلاء القضايا الجوهرية كالقضية الفلسطينية وتاريخ الحركة النقابية الوطنية في تونس مكانتها في البرامج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق